Batroun Rotating Header Image

الدكتور الشاعر ميشال سليمان

كان الدكتور الشاعر ميشال سليمان , رحمه الله – وهو واحد من أدباء لبنان والعالم العربي الطليعيين – بعيد الرؤيا , عميق الفكر, واسع المعرفة , عنيدا في نضاله ضد الاستعمار وضد استلاب الشخصية الإنسانية , روحيا وماديا .

عمارته الفنية الغنية بالصور المصقولة والرموز المعبرة مثلثة العناصر , متشابكة ومتفاعلة قوامها : الإنسان والواقع والفكر , وتستند إلى لغة شعرية راقية سلسة فخمة حينا ومنحوتة في أحيان . كل ذلك في إيقاعية مثيرة . وبالرغم من أنه لم يلتزم الوزان في قوالبها التقليدية , إلا أنه حافظ على التفاعيل ومزجج بينها بمهارة فائقة دون أن يعيقه ذلك عن القبض على اللحظتين : الفنية المشرقة والحضارية الخصبة . مما أهله أن يتربع في قلب الحداثة .

توزع نتاجه بين النثر والشعر والترجمة – 34 ديوانا وكتابا – على أن جل نتاجه شعرا , ولعله من أقدر من ترجم الشعر شعرا .

والكتابة عن الشاعر ميشال سليمان وعن شعره في صفحات معدودات ليس بالأمر السهل لذا سأتوقف قليلا عند ديوانه ” رثاء الخيول الهرمة ” , الذي نال جائزة الشعر للعام 1966 وديوان ” عاصمة الأمل ” الصادر عام 1966 , مرورا بديوان ” اشربوا هذا دمي ” .

” رثاء الخيول الهرمة ” مطولة شعرية شكلت حدثا بارزا في تاريخ الشعر العربي الحديث , ويصح أن نسميها ملحمة . فهي من المطولات الشعرية ذات الموضوع الواحد , غير أنها تمتاز عن مثيلاتها في الشعر العربي ببنائها المحكم والغني بالصور والرموز ويكون موضوعها الواحد على جانب كبير من الأهمية حيث يمثل تطلع الأجيال في لبنان والعالم العربي والعالم بأسره إلى تحقيق حياة أعدل ووجود أجمل .

وهل ثمة قضية الصق منها حياتيا بالإنسان في كل مكان وفي كل زمان ؟!

إن تجربة الإنسان تلخص بأنها توق , وطموح ومسيرة إلى حياة أفضل ووجود أجمل . وخلال هذه المسيرة , ثمة أحلام تبهر, وخيبات بالقيادات وخيبات بالأيديولوجيات .

وهذا ما أحسه الشاعر , وعرفه , وعاناه , وهو المناضل الذي لم تلن له قناة . فراح يحكي للأجيال حكاية ذلك كله في ملحمة ” رثاء الخيول الهرمة ” .

وتبدأ الحكاية بالحديث عن عربة فُتن بها وصحبه . وعن الخيول التي كانت تجرها , وعن الرحيل والانطلاق وما أزهر في أثناء الرحلة من أزهار سذاجة . وما تراءى من آفاق بعيدة , إلى أن كانت الخيبات المرة بهذه العربة وخيولها التي حولت تلك الآفاق إلى سراب أو كادت :

” كانت لنا في ما مضى عربة

عندما تمشي على أهبة ,

نخالها من فرط ما ألقي على أبصارنا عبر الزمان

من ضباب الوهم

من عتم الزمان

مركبا , من نيزك قُدّت صفحاته

فقُدّت من أمان

هكذا كنا نراها

هكذا

كنا نراها ونحن أطفال صغار

يا لأوهام الصغار..! “

إن الشاعر لكئيب حزين . لكنه متمرد , متحد , متمرد على الظلم اللاحق بالإنسان ومتمرد على ما كان بالأمس وصحبه مغترا به ثم انكشف له زيفه , فرفض بقوة وتخطى بوثب , لكنه في رفضه وتخطيه لم يضع , ولا تشظى ولا كفر بالقيم فسلم إيمانه بالإنسان والإنسانية , وسلم يقينه بحتمية انتصار الجديد على القديم في الصراع الأبدي بين القديم والجديد . ورغم الكآبة وخطوط السواد فالشاعر متفائل واع ٍ:

“.. وارتضينا متحف الشمع على ألا ننام

في زواياه الكئيبة

كالوثائق

تأكل الفئرانُ والعثّ حواشيها

وتشعل

في ثناياها الحرائق

والعزاء

إننا في رحلة أدنى مراميها السماء ” .

من تهدم العربة , من أنقاض الكارثة المفجعة يتحقق ميلاد جديد , ميلاد إنسان عملاق , مركبته ضلوعه , وخيوله أقدامه , وعيونه قنديله :

” لن تريني يا نفايات الكفاح

واقفا أحمل شعري أبيض العمر

ثقيلا كالسلاح

هي ذي عجلات مركبتي : ضلوعي

والخيول الدهم : أقدامي

وقنديلي : عيوني

والوقود :

فائر ينهل من قلبي ,

وصدري للرياح ” .

وإذا كانت ملحمة ” رثاء الخيول الهرمة ” قد مثلث خيبات أمل المناضلين الكبرى بقياداتهم المترهلة ووعدت بميلاد إنسان جديد , فان المخاض كان عسيرا جدا وكلف حربا في لبنان دامت اكثر من ست عشرة سنة , وحروبا في المنطقة العربية وحالات من التردي الاجتماعي والاقتصادي والثقافي . لكن تفاؤل الشاعر المجبول بالألم والوجع لم يخب فقدم في العام 1978 ” اشربوا هذا دمي ” لمغفرة الخطايا في وطن مزقته ذئاب الطوائف وسذاجة المناضلين وغباء القيادات المترهلة من كل حدب ولون , الجائعة إلى المركز والمال ولو بأي ثمن :

” وفيما أنا والطفولة نحرس حول الكيان

ونكشح عنه الدواب التي فيه

جاءت ملوك الطوائف

ترفع كل الطقوس

وتولي الشعائر همّا تجذّر في تربة الشعوذات

تبارك أقزامها

وتدهش من وقفتي المستميتة في هجمة الليل

تسألني :

- ما وقوفك عند السياج ؟

- لأني ولدت هنا

- ولماذا هنا ؟

- لأن جذوري استفاقت على تمتمات المعادن

في رحم هذا التراب المخصب

- خصبته بالفجور

- على كفركم بي

وهاأنا ذا الآن في عتبات الضياع التي في مشاريعكم

بساط تمارس فيه غرائزكم من ضروب التجارب

ما يأنف النعل في الوحل أن يمارس

هاكم قرون الزلازل تطلع من فجوات المجامر

والغيمة المستقلة متن الزوابع

تعقد والسيل عهداً

لتضربكم …

بلغوا الكون شهوتي ” .

وتبلغ معاناة الشاعر المجبولة بالألم ذروتها :

” يقولون : أعصابي استجمعت

نعمة الصبر

لكنه الحب …

أيتها الثاكلات اللواتي

يفجعهن صليل السلاح بأفلاذهن

من المستبيح على جرحكن دوائر حلمي ؟

ويحسب أن الجناح الطليقة شرانق نسج العناكب

ليس سوى النفي يعلم معنى الإقامة في الأرض

ليس سوى العبد يعلم معنى الوقوف بعين الظهيرة

ليس سوى الجرح في القلب ما يرسم الوهدة البلا قاع

استرشدي يا دروب الجناية والتيه جرحي

فهو الوحيد الملم بضعف الجنون

الوحيدُ

الوحيدُ

الوحيدُ

وما بين جرحي والجارحين

مسافة ما بين الخناجر والطاعنين ” .

ويضج الأمل في نفس الشاعر المتألم فيهتف :

” ويا أيها الشاهرون الخناجر

ليت علمتم بأن الدجى خادع والصباح وشيك

ومن ذا سواي يدجن زحف الحرائق والريح

بين الشوارع والأرصفة ؟

* * * *

ثمة فوق الحرائق عصفورة من ضياء

تذر قوادمها والخوافي لفائف قطن ويود

وتشهق بالأغنيات

دعوني أحدق بالجمر

أكوي بقايا الدموع التي في جفوني

فعما قريب ترون الصديد يدفعه الجرح

والعتمة التي خالها العمي جلدي

تمزق عند طلوع الصباح ” .

لكن العتمة تطول والمأساة تتكرر وجريمة ذبح الوطن الصغير , وطن الأمل , تتمادى يوما بعد يوم , ويسجل الشاعر يوميات الجريمة فيقول في قصيدة ” بين الروشة ونهر الموت ” من ديوان ” عاصمة الأمل ” :

” الخطى المريبة

تخضب الأرصفة بالوقع اللدود

حين يستيقظ الليل قلبَ النهار ” .

ما أبلغ هذا التشبيه التعبير فالليل الحالم الحالك ” توقظه ” ، تمزقه القنابل والقذائف في وقع لدود وتحوله بنارها ” قلب نهار ” .

ومن قصيدة ” بين الروشة ونهر الموت ” إلى ” بيروت : أنت الوصال وأنت الوصول ” إلى ” الانتظار المر في الريفييرا ” إلى ” يوم عبرت جراحك ” إلى ” الفصل العجب في باب إدريس ” إلى ” صوت الأباريق في المصيطبة ” إلى ” درع بحجم النهار ” إلى ” تقاسيم تبحث عن إيقاع في الأشرفية ” إلى ” الملجأ قبل الجامعة الأميركية ” إلى ” الجديد المتجدد في الحمرا ” إلى ” ساقية الجنزير ” إلى ” العجب في شارع فردان ” إلى ” الدخان ” وغيرها وغيرها ما يمكن أن نسميه يوميات الشاعر بعضها بدون تاريخ وربما يعود تاريخها إلى السنوات الأولى للحرب , ومعظمها في العام 1982 عام الاجتياح الإسرائيلي للبنان . وقد التقطت أحداق الشاعر كل لحظات الرعب الذي حل ببيروت وقد عاشها لحظة بلحظة ، وهو واحد من القلائل الذين لم يغادروا بيروت ولا تركوا البلاد زمن المحنة ، فجاءت قصائده اليوميات وصفا فنيا دقيقا لم يهمل حتى الجزئيات التي تتكثف لتشف عن رؤيا تتوهج بالأمل أحيانا وأحيانا ترى الأمل بصيص حباحب في الدياجير :

” صنم للعبادة تهاوى

صنم للعهر أقيم

اصطكت الركاب للإثنين معا

ابتلع الحرف صوته الأول

غارت العبارة الناصعة في بلادة البث العقيم

لاذ الفكر ببنات الكهوف

يستحلفها الإيواء

حتى الذي صلب على خشبة الفداء وشرب الخل

لفظ اليقين ونادى فجاءه المريدون بقيافة الطلاب

الموسورين الخاسرين ، حتى الذي لم يقايض بالحق الشمسَ

والقمر زوره حجر التفلسف فازور عن المؤذنين ” .

وتصمد بيروت المفجوعة الثكلى ويناجيها الشاعر فيقول :

” لا صليب يا بيروت أكثر شموخا من صليبك

لا آهة أكثر عمقا من آهتك

لا دم أشد احمرارا من دمك

لا جمر الشبق الأعلى يضاهي نبض قلبي

حين يهتف بالأرصفة .. الأشجار .. الأحجار

يمزق أشباح الرعب تضاجع عينيك

وأنا المتوحش في حبي

حين نهدك – الكونُ يلامس أشواقي “

وينحسر الطوفان عن بيروت وتبدأ تباشير الفجر تلوح من بعيد .

وفي 5 تشرين الثاني العام 1996 يصور الشاعر بيروت في مطلع ديوانه ” عاصمة الأمل ” بقصيدة تحمل عنوان : ” بيروت اليوم ” فيقول :

” مقيمة في الزمان والمكان

لست مجرد حاضرة ماثلة لعيوننا

حقيقةٌ أنت فاعلة في حواسنا

ووجود متحرك يعكس الأصول والفصول

عبر أبنائك …

حضورٌ لازمٌ أنتِ

يواكبه إدراك وضع القرار

موضع اللزوم

والقرار الحياة

واللزوم المصير “

وبعد , قارئي العزيز ، إن في تعابير الشاعر الدكتور ميشال سليمان – رحمه الله – اكتنازٌ وعناية بالصياغة وجسارة في المجاز مما لا نشهده إلا عند الأصلاء في العربية . وقل هؤلاء في شعرائنا المحدثين .

ولا عجب فالراحل الكبير كان قد شغل منصب الأمين العام لاتحاد الكتاب اللبنانيين , كما كان عضوا في اتحاد الكتاب العرب واتحاد كتاب آسيا وأفريقيا , ومثّل هذه الاتحادات في مؤتمرات دولية عديدة . وقد منح الشاعر جائزة جبران الأدبية العالمية للعام 1993 . فلروحه الطاهرة تحية إكبار وتقدير .

أتى هذا النص من مجلة أفق الثقافية

Leave a Reply

Spam Protection by WP-SpamFree