تُعتبر البترون من أقدم المدن الفينيقية التي تحتضن بين منازلها وأناسها عراقة التاريخ وتنتشر في مرتفعاتها وعلى ساحلها أديــرة وكنائس قديمة واماكن أثرية عديدة. هذه المنطقة التي يسودها الهدوﺀ منذ فترة طويلة تحولت بين ليلة وضحاها الى مكان يصخب بالسهر حيث يتمتع الزائرون بساعات الليل حتى الفجر، اما صيفها فأصبح “مهرجانه” من معالم المنطقة، لما يتمتع القيمون عليه من رؤية ثقافية لافتة، وتجلى ذلك بالحفلات العديدة التي نظمها المهرجان، وكان آخرها مسرحية “جبران… لوحة عمر” التي عُرضت على خشبة مسرح السور الفينيقي الأثري القديم.
هــذا العمل الــذي جمع حوالى 50 مــؤديــاً، هــو تجسيد راقــص للوحات جبران خليل جبران، في إطــار شعري ملبنن ومقطوعات موسيقية حُضّرت خصيصاً لهذا العمل في استوديوهات لندن.
واســتــطــاع بعرضيه يــومــي 27 و28 آب، أن يجذب محبي الفن الجميل إذ امــتــلأت الــمــدرجــات وغصت بالوجوه السياسية والفنية والاجتماعية. وهذا دليل كبير على أن اللبنانيين متعطشون لهذه الأعــمــال المسرحية الــتــي قلما نشاهدها، خصوصاً تلك التي تحتاج الى انتاج ضخم. ومشكور المهرجان على لفتته الطيبة فهو انتج العمل على نفقته الخاصة.
وهــذا المهرجان حديث العهد الا أنــه بــدأ ينافس المهرجانات ا للبنا نية ا لعر يقة مثل “بيت الدين” و “بعلبك” و “بيبلوس”.
العمل جيد الى حد ما، حتى لا نظلمه، خصوصاً اننا نشجع كـــل عــمــل لــبــنــانــي راق، لكنه أصابنا بالملل بعض، الشيﺀ الا أن موسيقى العمل كانت أكثر من رائــعــة، خصوصاً أن الالحان والتوزيع لإياد كنعان. اما لعزف الموسيقى فوقع اختيار القيمين على المهرجان والعمل المسرحي على “الفرقة الوطنية”. واستطاعت الالحان ان تترجم العمل باحساس عــال، نقل الحضور الى بعد آخر.
ونتمنى على المهرجان ترجمة هـــذه الاعــمــال الموسيقية في قرص مدمج، لاننا نفتقد فعلاً الى موسيقى بهذه الروعة والكمال.
وكانت الكوريغرافيا ضعيفة بعض، الشيﺀ كما كانت بعض الــحــركــات مــكــررة، فــالــرقــص فن إبداعي يجسده الجسد الرشيق فيعطي بعداً تعبيرياً لموروث ثــقــافــي وحـــضـــاري هـــو بمثابة “البصمة” المميزة لعمل ما. وحاول مصمم الرقص فرانسوا رحمة من خلال الراقصين أن يدفع بالجسد في إبحار حر على المسرح، فنجح في بعض المشاهد، خصوصاً ان المسرحية ضمت اكثر مــن 20 مشهداً مستلة من بعض أعمال جبران، إلا انه لم يوفق في مشاهد أخرى، حيث لم نلمس خصوصية المشهد، ربما لأن الشاشة العملاقة الــتــي لــم تــعــرض الا عملين من جبران، خصوصاً بعدما أصابهتا علل، ورشــح عن أحد المسؤولين أن “الرطوبة” كانت السبب. كانت مهمة فرنسوا تحقيق التكامل بين حركة الجسد والصورة والاضــاﺀة بحيث تصبح لكل عنصر وظيفة خاصة على المسرح.
وأشــــرف الــمــصــمــم العالمي روبــيــر أبـــي نــــادر، عــلــى تصميم الازياﺀ والاهتمام بأدق تفاصيلها، لإظـــهـــار جــانــيــن داغــــر ووســــام ســعــادة والــراقــصــيــن فــي أبهى حــلــة. واســتــعــمــل روبــيــر لمسته الفنية اللافتة، فظهرت جانين بأحلى طلتها، وهــذا أمر اعتدناه منها فمعروف أنها مــن عشاق الموضة العالمية والعربية. ربما انصب التركيز الأكبر عليها، وربما لأنها أنثى وروبــيــر من مصممي الازيــاﺀ النسائية، قدم لها أجمل تصميماته. وكــانــت تصميمات ملابس الراقصين جيدة، إذ جعل روبــيــر مــن الــقــمــاش اداة لتنقل المشهد الى واقع ملموس.
أشــرف على اخـــراج العمل جو مكرزل الذي كان يفكر منذ وقت طويل في إنجاز عمل عن جبران، فتحقق حلمه اخيراً، إلا أن العمل امــتــد لأكــثــر مــن ساعتين، وفي غياب الشاشة الكبيرة التي كانت مهمتها ابراز الصورة التي تدور حولها اللوحة الراقصة والغنائية، ضاع الحضور خصوصاً أن العديد منهم لم ينتبه الى وجود كتيب صغير ذكرت عليه اسماﺀ أعمال جـــبـــران. امـــا اخــتــيــار الــنــصــوص واللوحات الجبرانية فاهتم بها حافظ “متحف جــبــران” الأديــب وهــيــب كــيــروز ولبننها شعرياً وكتب الأغنيات الشاعر والنحات التشكيلي رودي رحمة الذي أنجز العمل بروحية صادقة جداً تجاه النص، كما أن الروابط بين نص وآخــر، إن من خلال أغنية أو حوار غــنــائــي، كــانــت مــن تأليفه لكن بالسياق نفسه والروحية نفسها.
واستطاع وسام سعادة الذي لعب دور جبران أن يضفي على الــعــمــل رونـــقـــاً خـــاصـــاً، فصوته رددته أعالي البترون، غناﺀ واداﺀً، وكــان اختياره موفقاً. اما جانين داغـــر (مـــاري هــاســكــل)، فقدمت لنا أغنيات مميزة، واستطاعا معاً أن يوفيا العمل حقه، ان لناحية الغناﺀ او الكلام. كنا نتمنى لو أديا الاغنيات مباشرة بعيداً عن تقنية playback الــتــي هيمنت على العمل. فالتفاعل المباشر من أهم عناصر نجاح العمل، خصوصاً أن الفنان يضيف أحياناً على الأغنية احساساً مرهفاً فيفاجئ من خلاله الحضور.
كان مقرراً أن يبدأ عرض الـــعـــمـــل فــي تــمــام الــســاعــة الــثــامــنــة والــنــصــف مــســاﺀً، إلا اننا انــتــظــرنــا مــجــيﺀ الــوجــوه السياسية حوالى الساعة، فبدأت المسرحية الساعة التاسعة النصف، وانتهت حــوالــى منتصف الليل.
ودفع حضور النائب العماد ميشال عــون الناس اليه لالتقاط صور معه، وتناسى بعضهم سبب حضورهم إلــى المكان وانكبوا على الصراخ باسمه.



