Batroun Rotating Header Image

احتلال الشاطئ

قديماً كان بإمكان أي انسان ان يرتاد الشاطئ اللبناني لصيد الأسماك او لجمع ما يسمى اليوم بثمار البحر، من توتيا وصدف واخطبوط وصبيدج وبطليموس ونباتات بحرية مفيدة وملح… الخ. كما كان وما زال هذا الشاطئ مصدر رزق لمئات إن لم يكن لآلاف العائلات اللبنانية خاصة في شمال لبنان.
وكان لكل مواطن الحق المطلق بالتنزّه على الشاطئ والتمتع برياضة الجري والسباحة. عندما كنا صغاراً كنا نقضي معظم العطلة الصيفية على الشاطئ المجاور لقريتنا، وأحياناً نشترك بصيد السمك بواسطة شباك الجاروفة التي كانت تمتد لمئات الأمتار.
نعم، كان الشاطئ ومياه البحر لعامة الناس، أما اليوم فنلاحظ يوماً بعد يوم وسنة بعد سنة ان هذا المرفق الطبيعي الوطني الحيوي الجميل كأنه يصبح شيئاً فشيئاً أملاكاً خاصة تستمتع وتستفيد منه فقط فئة قليلة من المحظوظين معظمهم لا يتقيدون بالقوانين الوطنية والعالمية، خاصة القوانين البيئية، المتعلقة بالأملاك البحرية.
في الماضي كنا ننتقل من طرابلس الى العاصمة بيروت بإحدى بوسطات نقل الركاب التي تعمل على الخط الساحلي المحاذي للشاطئ وكان منظر الشاطئ ومياه البحر دائماً رفيق دربنا لفترة الرحلة التي كانت تستغرق نحو الساعتين. وهكذا… الشاطئ الجميل والأمواج المعتدلة الرقيقة دائماً الى اليمين، قريبة من نوافذ البوسطة، لا أبنية ولا تصوينات ولا دشم ولا أي شيء يحجم الشاطئ عن الأنظار، أما اليوم فلو قمنا بالرحلة ذاتها نجد ان معظم هذا الشاطئ البهي قد حُجب عن النظر بسبب الأبنية الخاصة التي شيّدت بمحاذاته خلال السنوات الماضية وذلك لأهداف تجارية معظمها غير قانوني لا تستوفي الشروط البيئية. أبنية بعضها يُسمى منتجعات سياحية وشاليهات او مطاعم او بيوتاً للسكن بعضها قد بُني على ردم جزء من مياه البحر وأخرى بنيت بمحاذاة البحر «على فقش الموج». وإن بعض أصحاب الشاليهات الملاصقة لمياه البحر يستعملون الصخور البحرية كجزء من «حديقة البيت». تُرى متى أصبحت صخور البحر ورماله أملاكاً خاصة؟
إن ارتياد الشاطئ للتنزه والاستجمام والتمتع بمياه البحر هو حق من حقوق الانسان في كل مكان في العالم، وهذا الحق ورد في شرعة حقوق الانسان بميثاق الأمم المتحدة، التي شارك في وضعها احد المفكرين اللبنانيين الكبار وهذا حتماً يتنافى ويتناقض مع ما يمارس في لبنان.
إن المنتجعات البحرية وأشباه المنتجعات والشاليهات المرخصة وغير المرخصة التي تشكّل جزءاً كبيراً من امتداد الشاطئ لا تسمح بالدخول «لأملاكها» البحرية دون دفع رسوم تفرضها كما تشاء. وهناك منتجعات بحرية لا تسمح بدخول «مين ما كان» بل يقتصر الدخول على أعضاء مختارين مسبقاً. السؤال هو: هل يحق قانونياً للمواطن ارتياد الشاطئ مجاناً في أي مكان في لبنان كما هو الحال في كل دول العالم كاليونان وقبرص وكاليفورنيا وغيرها التي تعتبر ان الشواطئ ومياه البحار تخص الجميع، ملك الجميع، ـ ملك الله. اننا نخشى إذا بقي الوضع كما هو عليه من استهتار واستئثار وعدم التقيد بالقوانين وعدم إزالة المخالفات وعدم تحرك شعبي قريباً للمحافظة على ما تبقى من شواطئ هذا الوطن… نخشى ان تُحجب الفسحة القليلة الباقية من الشاطئ بأبنية جديدة وبالتالي يسيّج ويصوّن كل الشاطئ والبحر اللبناني بالطابوق والباطون وبصفائح وسلاسل حديدية ليصبح هذا الشاطئ من أقصى الشمال الى أقصى الجنوب أملاكاً خاصة محظور على عامة اللبنانيين ارتياده بدون إذن مسبق.

صباح نصر –  مدير مركز البترون الثقافي والمهني

Source: السفير



Leave a Reply

Spam Protection by WP-SpamFree